أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
109
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
غاية لها ، فنظر جميع المعلومات بنور هذه الحياة ، فصار أهل الموجودات نورا شائعا في كل شيء لا يشهده غيره ، فنودي من قريب : لا تغتر باللّه ، فإن المحبوب من حجب عن اللّه باللّه إذ محال أن يحجبه غيره فيحيى بحياة استودعها اللّه فيه ، فقال : أي رب بك منك إليك فأقل عثرتي ، فإني أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك ، فهذا هو سبيل الترقي إلى حضرة العلي الأعلى ، وهو طريق المحبين أبدال الأنبياء ، والذي يعطي أحدهم من بعد هذا لا يقدر أحد أن يصف منه ذرة ، والحمد للّه على نعمائه ، والصلاة على محمد خاتم أنبيائه . وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين فهو منه إليه ، إذ محال أن يتوصل إليه بغيره ، فأول قدم لهم بلا قدم أن ألقى عليه من نور ذاته ، فغيبهم عن عباده وحبب إليهم الخلوات ، وصغرت لديهم الأعمال الصالحات ، وعظم عندهم رب الأرضين والسماوات ، فبينما هم كذلك إذ ألبسهم ثوب العلم فنظروا فإذا هم لا هم ، ثم أردف عليهم ظلمة غيبتهم عن نظرهم بل صار عدما لا علة له ، فانطمست جميع العلل وزال كل حادث بلا حادث ولا وجود ، بل ليس إلا العدم المحض الذي لا علة له ، وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به ، اضمحلت المعلومات وزالت المرسومات زوالا لا علة فيه ، وبقي من أشير إليه لا وصف له ولا صفة له ولا ذات ، فاضمحلت النعوت والأسماء والصفات ، فلا اسم ولا صفة ولا ذات ، فهناك ظهر من لم يزل ظهورا لا علة فيه ، بل أظهر سره لذاته في ذاته ظهورا لا أولية له ، بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته ، فحيي هذا العبد بظهوره حياة لا علة فيها ، فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها ، فصار أولا في الظهور لا ظاهر قبله ، فوجدت الأشياء بأوصافه ، وظهرت بنوره في نوره ، فأول ما ظهر سره فظهر به قلبه ثم ظهر أمره بسره في سره وظهرت بأمره الذوات في نور القلم بنور القلم ، ثم ظهر عقله بأمره في أمره وظهر به عرشه في نور لوحه بنور لوحه ثم ظهر روحه بعقله في عقله وظهر بروحه كرسيه في نور عرشه بنور عرشه ، ثم ظهر قلبه بروحه في روحه ، فظهر بقلبه حجبه في نور كرسيه بنور كرسيه ، ثم ظهرت نفسه بقلبه في قلبه فظهر بنفسه فلك للخير وللشر في نور حجبه بنور حجبه ، ثم ظهر جسمه بنفسه في نفسه فظهر بجسمه أجسام العالم الكثيف من أرض وسماء . وعلى الجملة كل كثيف في نور الفلك بنور الفلك ، فإذا أول قدم هذا المحبوب الفرد طرح النفس عدما فهو طرح لا علة فيه ؛ فهو استقبال العدم بسقوط الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية ، فيكون استقبال صفة معدومة لمعدوم ؛ ومعنى الصفة المعدومة للمعدوم : أي لما انتهى العبد بدليل العلة وهو شهود الحق كلا